محمد أمين المحبي
49
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
ازدانت به الأيام ازديان الخدّ بالعذار ، وقامت مواهبه العامّة عما جنته الليالي مقام الاعتذار . يحفّه لطف من اللّه تعالى مدارك ، فيسمو إلى المعالي سموّ المستبدّ لها من غير مشارك . حتى ترامت الحظوة لديه ، كعبيده الواقفين بين يديه . إلى حيث لا يدركه أمل ، ولا يبلغه إلّا ذو علم وعمل . تبذل النفوس أرواحها في رضائه ، فلو غفل قلب عن تمريضها عافته كلّ أعضائه ، وله سداد رأي يعضده القضا ، وحسام طبع لا يخونه المضا . فهو ينثر الدّرّ إذا أخذ القلم ، ومن يشابه أبه فما ظلم . فحظّه جار بلا مثال سابق ، ولم يوجد قبله حظّ لحظّه مطابق . فقد أخذ من الجدّ بعنانه ، وتصرّف بالقلم كيفما شاء فكأن آية السحر في بنانه . وقد طال إلى ديار العرب تردّده ، وبارت بها السحب الهواطل يده . فما زالت تشكر آلاؤه حيث حلّت ركائبه من البلاد ، وتقيه الأعيان من النوائب بالأنفس النفيسة لا بمنفوس التّلاد « 1 » . وطالما تسابقت إلى مدحه القرائح ، ودلّت عليه الأقاويل بالكنايات والصّرائح . ثم استقرّ آخرا بمصر مخضرّ الأكناف ، متوفّر الأنواع من أسباب العيش والأصناف . ولم يخل أيام إقامته فيها من مجالس يصرف إليها أعنّة الاعتنا ، وفي صحبة أودّائه حزب كأنهم ما خلقوا إلا للمدح والثّنا . ينتشون بغدو إذا ذكروا ما مرّ لهم في أمسه ، ويطالعون آثار الربيع فلا يرونها كآثار خمسه . إلى أن أغمده منتضيه ، فالله يعطيه من الكرامة ما يرضيه .
--> ( 1 ) التلاد ، التالد : القديم الأصيل . ا . ه اللسان ( تلد ) .